الجصاص

429

أحكام القرآن

على أنها ملغاة . ويدل على أنها للتبعيض أنك إذا قلت : " مسحت يدي بالحائط " كان معقولا مسحها ببعضه دون جميعه ، ولو قلت : " مسحت الحائط " كان المعقول مسحه جميعه دون بعضه ، فقد وضح الفرق بين إدخال الباء وبين اسقاطها في العرف واللغة ، فوجب إذ كان ذلك كذلك أن نحمل قوله : ( وامسحوا برؤوسكم ) على البعض حتى نكون قد وفينا الحرف حظه من الفائدة وأن لا نسقطه فتكون ملغاة يستوي دخولها وعدمها . والباء وإن كانت تدخل للإلصاق كقولك : " كتبت بالقلم " و " مررت بزيد " فإن دخولها للإلصاق لا ينافي كونها مع ذلك للتبعيض فنستعمل الأمرين فيكون مستعملا للإلصاق في البعض المفروض طهارته . ويدل على أنها للتبعيض ما روى عمر بن علي بن مقدم عن إسماعيل بن حماد عن أبيه حماد عن إبراهيم في قوله تعالى : ( وامسحوا برؤوسكم ) قال : إذا مسح ببعض الرأس أجزأه ، قال : ولو كانت " امسحوا رؤوسكم " كان مسح الرأس كله . فأخبر إبراهيم أن الباء للتبعيض وقد كان من أهل اللغة مقبول القول فيها . ويدل على أنه قد أريد بها التبعيض في الآية اتفاق الجميع على جواز ترك القليل من الرأس في المسح والاقتصار على البعض ، وهذا هو استعمال اللفظ على التبعيض ، وقول مخالفنا بإيجاب مسح الأكثر لا يعصمه من أن يكون مستعملا للفظ على التبعيض ، إلا أنه زعم أن ذلك البعض ينبغي أن يكون المقدار الذي ادعاه ، وإذا ثبت أن المراد البعض باتفاق الجميع احتاج إلى دلالة في إثبات المقدار الذي حده . فإن قيل : لو كانت الباء للتبعيض لما جاز أن تقول : " مسحت برأسي كله " كما لا تقول : " مسحت ببعض رأسي كله " . قيل له : قد بينا أن حقيقتها ومقتضاها إذا أطلقت التبعيض مع احتمال كونها ملغاة ، فإذا قال : " مسحت برأسي كله " علمنا أنه أراد أن تكون الباء ملغاة ، وإذا لم يقل ذلك فهي محمولة على حقيقتها ، كما أن " من " حقيقتها التبعيض وقد توجد صلة للكلام فتكون ملغاة في نحو قوله تعالى : ( ما لكم من إله غيره ) [ الأعراف : 59 ] و ( ويغفر لكم من ذنوبكم ) [ الأحقاف : 31 ] ولا يجب من أجل ذلك أن نجعلها ملغاة في كل موضع إلا بدلالة . وقد روي نحو قولنا في جواز مسح بعض الرأس عن جماعة من السلف ، منهم ابن عمر ، روى عنه نافع أنه مسح مقدم رأسه ، وعن عائشة مثل ذلك . وقال الشعبي : " أي جانب رأسك مسحت أجزأك " وكذلك قال إبراهيم . ويدل على صحة قول القائلين بفرض البعض ما حدثنا أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي قال : حدثنا إبراهيم الحربي قال : حدثنا محمد بن الصباح قال : حدثنا هشيم قال : حدثنا يونس عن ابن سيرين قال : أخبرني عمرو بن وهب قال : سمعت المغيرة بن شعبة يقول : خصلتان لا أسأل عنهما